“مفاجآت” صحافة الإمارات والوزير قرقاش في “سنوية” الحرب على اليمن

في ذكرى عام من الحرب، وإزاء المأساة اليمنية المفتوحة، والقتال الأهلي، وتوسع داعش والقاعدة، تبرز الصحافة الإماراتية “نجاحات وانتصارات التحالف”، ومنها: “حماية اليمن من الإرهاب”، و”منع الحرب الأهلية”، ويضيف الوزير قرقاش و”توجيه رسالة لإيران”!

تمتلىء الصحافة الغربية، هذه الأيام، بالتحليلات ومقالات الرأي حول الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها دولة الإمارات العربية المتحدة بصورة خاصة – بسبب “تورطها” في حرب تقودها الشقيقة الخليجية الكبرى، المملكة السعودية، على اليمن منذ عام كامل.

يسهب الكُتاب وتتوسع الصحف الأوروبية والغربية في تسليط الضوء والرؤية على تفاصيل وقائمة يوميات “الخسائر” المتركزة في صفوف العسكريين الإماراتيين، ابتداءً من مأرب، ومروراً بباب المندب، ووصولاً إلى عدن حيث “تغرق” أبو ظبي، فعلياً، في مستنقع دفعت نحوه بقوة، ويشار إليها كمسئولة أولى عن بلورة وتبني اجتياح وغزو مرفأ ومدينة عدن واحتلالها.

بالطبع – قبل أن تتحول قواتها (عديداً وعتاداً على الأرض وفي الجو أيضاً) – علاوة على خسائرهم في جبهات المواجهات مع الجيش اليمني واللجان الشعبية – إلى هدف أول وشبه يومي لهجمات القاعدة وداعش والمتشددين وخصوم غيرهم يتخندقون في الجهة الأخرى من ثنائية الصراع المحتدم – ولم يعد سراً – بين الشقيقين والحليفين الخليجيين اللدودين، الإمارات والسعودية.

وخلال ذلك، فإن الإماراتيين، وطوال تاريخ دولتهم الحديثة نسبياً، لم يعهدوا انتقادات وتنديدات من كل صوب وحدب في العالم نالتهم وتوجهت نحوهم كما يحدث معهم خلال الأشهر الماضية ومنذ “مغامرتهم” الطائشة عسكرياً في اليمن، على خلفية الخسائر الإنسانية الكبيرة والمعاناة التي لحقت بملايين اليمنيين، فضلاً عن انتشار وتوسع المتشددين وجماعات القاعدة وداعش وسواهم، خصوصاً في عدن منذ اجتاحتها قوات الغزو الخليجية الإماراتية والسعودية، وبسبب حالة الفوضى الأمنية والفلتان التي تعيشها عدن، والهجمات والاغتيالات اليومية والتي كانت آخرها وواحدة من أكثرها دموية وعنفاً هجمات انتحارية ثلاث.

وآخر الأنباء المؤسفة، جداً، وفي تطور صادم، أقدم داعش في عدن على صلب الكاهن الهندي “الأب توم” الذي كان اختطف من دار المسنين خلال اقتحام وهجوم دامٍ أوقع عشرات الضحايا المدنيين قتلى وجرحى.

في الأثناء، فإن مطار عدن الدولي مغلق للشهر الثاني على التوالي؛ بسبب الخلافات بين شركاء – فرقاء احتلال عدن وحلفائهم على الأرض، وانزواء كامل لمظاهر السلطات المدنية أو ما يُقال عنها الحكومة الشرعية التي أعلن وزير إماراتي، مؤخراً، أن التحالف السعودي نجح في هدف إعادتها (السلطة الشرعية برأيه) إلى الأرض اليمنية (..) فيما يستمر هادي ومعظم المسئولين والوزراء في الإقامة بالرياض.

انتصارات- الصحف!

وغداة هجمات انتحارية دامية وهجوم مسلح خلف العشرات وتبناه تنظيم الدولة “داعش” ولاية عدن أبين ضد معسكر رئيس لقوات التحالف السعودي الإماراتي – مساء الجمعة 25 مارس/ آذار- خرجت الصحف الإمارتية، يوم السبت 26 مارس/ آذار، ذكرى بدء الحرب على اليمن واكتمال سنة، تتحدث وتبرز افتتاحياتها ومقالات رأي ما تسميه “انتصارات ونجاحات التحالف في اليمن” (..)

صحيفة البيان الإماراتية -في افتتاحيتها- أشادت بـ”الانتصارات” التي حققتها قوات التحالف في اليمن (..)، متذكرةً “الشهداء” الذين قضوا في المعارك هناك(..).

وفي اليمن، تتحدث أرقام الأمم المتحدة عن أكثر من 6 آلاف يمني قتلوا خلال عام من الحرب، معظمهم من المدنيين ونساء وأطفال وغالبيتهم أصيبوا بسبب الضربات الجوية لتحالف السعودية والإمارات. لكن إحصاءات يمنية تعطي أرقاماً أعلى بكثير.

الكاتب والصحفي البريطاني بيل لو شر في (16 مارس/اذار 2016) كتب مقالاً في “ميدل ايست آي” البريطاني بعنوان: “ما الذي تريده الإمارات حقاً من حربها في اليمن؟”، وقال فيه: بصرف النظر عن ولائها لدول مجلس التعاون الخليجي، من الصعب أن ندرك لماذا دخلت الإمارات الحرب في اليمن. والآن أضحت دولة الإمارات في مأزق من دون استراتيجية للخروج من ذلك المستنقع.

ويضيف، أن عين الإمارات لطالما كانت على عدن؛ كونها امتداداً طبيعياً لموانئ دبي وتمثل طريقاً سهلاً للمحيط الهندي وبديلاً لمضيق هرمز الذي تتشاركه دول الخليج على مضض مع إيران. الإمارات هي التي قادت الهجوم البحري على عدن صيف 2015، على الرغم من رفض الولايات المتحدة لطلبها الدعم من القوات الخاصة. لكنها جازفت ودخلت عدن.

بالرغم من ذلك، ومنذ ذلك الحين، تعرضت المدينة لهجمات عنيفة من قبل تنظيمي القاعدة وداعش. يزعم التحالف أن عدن قد تحررت، لكن الشوارع ليست آمنة بالمرة، حتى إن الإمارات أبعدت قواتها عن مهام الجبهة الأمامية ودوريات الشوارع المنتظمة لتقليص الخسائر في صفوف جنودها.

وبالرغم من ذلك، أيضاً، لاتزال “البيان” الإماراتية ترى، بعد اكتمال سنة، أنه “في هذه الذكرى والانتصارات تتواصل… وسيخلدها التاريخ” (..)

وعلى ذكر التاريخ قال بيل لو: “مثل الكثيرين قبلهم دخلوا اليمن، الإماراتيون دخلوا حرباً ولم يعدوا استراتيجية للخروج منها. وبينما تتصاعد خسائرهم، يجب عليهم التفكير جيداً في طريقة لتقليل هذه الخسائر”.

“الاتحاد”- لوحدها!

وإلى عشرات المنظمات غير الحكومية الدولية والحكومات والسياسيين والمحللين والهيئات والأمم المتحدة، انضم إليهم، أخيراً، مجلس الأمن الدولي للتعبير عن قلقه العميق إزاء توسع خطر وسيطرة الجماعات الإرهابية في جنوب اليمن وخصوصاً في عدن.. متحدثاً، رئيس المجلس، في آخر انعقاد بشأن اليمن بالاسم عن القاعدة وداعش.

وبينما يوطد القاعدة مركزيته من المكلا إلى أبين على مسافة أقل من 50 كم شرقي عدن مروراً بشبوة. ويبث داعش، باستمرار، تسجيلات مصورة بتخريج دفعات جديدة من معسكرات تدريب خاصة في عدن ولحج، المدخل الرئيس للميناء والمدينة.

هذا إلى جانب كارثة تصعيد وتغذية النزاع الأهلي والحرب الأهلية. وعنونت نيويورك تايمز في مقال شهير أن الحرب على اليمن أشعلت نيران الصراع الأهلي والحرب الأهلية، وهي نفسها مخاوف وتحذيرات الأمم المتحدة والمجتمع الإنساني العالمي.
إلا أن الاتحاد الإماراتية بدورها كانت لوحدها، فيما يبدو، تتحدث في مقال بالمناسبة، أيضاً، أن الحملة العسكرية للتحالف السعودي الإماراتي في اليمن وبعد سنة “حققت أهدافاً كبيرة، منها أنها جنّبت اليمن الوقوع في براثن الإرهاب أو التورط في النزاعات الأهلية التي ستغرق المنطقة في دوامة من العنف” (..). وهذه ليست مزحة، أبداً، ولكنها فقرة مقتبسة من مقال في الاتحاد الظبيانية.

هل يحدث شيء أكثر من الإرهاب والهجمات والمفخخات والتفجيرات والاقتتال الأهلي في الأثناء؟

في أي خانة سوف تصنف “الاتحاد” – مثلاً – إعدام الكاهن الهندي صلباً والهجوم الدامي على دار المسنين من قبل داعش؟

قرقاش: نجحنا!

إلى هذا، توج الوزير الإماراتي أنور قرقاش، المفارقات الإماراتية المدهشة في لقائه مع “الاتحاد”، رأى خلاله أن “التحالف حقق أهدافه في اليمن”. بالمناسبة كان بيان داعش عشية 26 مارس آذار وفي بيان تبني التفجيرات الانتحارية والهجوم الانغماسي بعدن يتحدث، أيضاً، عن “تحقيق أهدافه”، بهذا المعنى لا مشكلة كبيرة في فهم كلام قرقاش على الأرجح.

وخلال ما يتواجد في الرياض هادي وكثير من طاقم حكومته ومطار عدن مغلق تماماً، وانقسام وخلافات حادة بين هادي وبحاح من جهة، والرياض وأبو ظبي من جهة ثانية وموازية، عمقت من حضور وتعميم الفوضى والعنف والهجمات المميتة، فإن قرقاش يستشهد على نجاح وتحقيق أهداف التحالف بالقول، إن “التحالف حقق هدفه في إعادة الحكومة الشرعية إلى التراب اليمني”. وكان معلق يمني حاضر الذهن يسأل ما إذا كان الوزير الدكتور أنور قرقاش يعني بأن الرياض جزء من التراب اليمني؟!

علاوة على ذلك، يضيف قرقاش، أن التحالف حقق هدفه بـ”إرسال رسالة لإيران” من وراء حرب مدمرة على اليمن أكملت عاماً!

مغامرة طائشة

في وقت مبكر، جداً، على عمر الحرب السعودية الإماراتية على اليمن، كانت “نيوزويك” الأمريكية فتحت ملف المشاركة الإماراتية ورثت لخسائرها البشرية والمادية والمعنوية ونزيف سمعتها أيضاً، في مقال مطول كتبه بلال صعب، زميل أقدم مقيم بشأن أمن الشرق الأوسط في مركز “برنت سكوكروفت” للأمن الدولي في المجلس الأطلسي، تحدث فيه حول الذرائع والمبررات التي دفعت الإمارات للتدخل العسكري في اليمن، والثمن الذي دفعته جراء هذا التدخل، إضافة إلى مناقشة هذه المبررات.

وقال بلال صعب: لم تقتصر خسائر الدولة من مشاركتها في المعارك الدائرة باليمن على الخسائر المادية المباشرة المتمثلة في عدد الجنود القتلى أو التكلفة المادية العالية لهذه المشاركة فقط، بل تعداها الأمر ليشمل تشويهاً كبيراً لسمعة الإمارات إثر تدخلها العسكري المحفوف بالمخاطر في اليمن.

مضيفاً: تسبب هذا التدخل – غير محسوب العواقب – بتدمير جهود كبيرة بذلتها الإمارات على مدى العقد الماضي لخلق صورة إيجابية عن نفسها.

لكن الإماراتيين، على ما يبدو، لا يودون أو يكابرون دون الإقرار بحجم الورطة والخسائر التي خصمت من رصيد دولتهم في تدخلها الطائش في اليمن.

.. والمرتزقة

علاوة على كل ذلك، فإن ملف المرتزقة الأجانب من أمريكا اللاتينية اقترن أكثر بالإماراتيين، وأعادت وكالة خبر، مراراً، ترجمة ونشر عشرات المقالات والتقارير الغربية حول هذا الموضوع بتوسع. تضخ أبو ظبي مئات الملايين لاستئجار مرتزقة من بلدان أمريكا اللاتينية للقتال في اليمن. حتى وزير الدفاع الكولومبي خرج علناً مصرحاً بالتذمر والاستياء لتحويل الإماراتيين والخليجيين جيش بلاده إلى مرتزقة!

آفاق قاتمة

وبحلول ذلك الوقت – (نقتبس من تحليل مطول ومليئ بـ”الأسرار” حيال الحرب السعودية الإماراتية في اليمن والدور الأمريكي واندفاعة أبو ظبي نحو عدن وما تلى الاجتياح والغزو نشرته نيويورك تايمز مؤخراً)- انهار الوضع الأمني في عدن. وأوقفت القوات الإماراتية دورياتها المنتظمة في شوارع عدن، ولذا لجأت إلى أن تحل محلها جنوداً من دولة السودان التي انضمت إلى التحالف الذي تقوده السعودية.

ومع تفاقم انهيار الوضع الأمني وتزايد أنشطة الجماعات الإسلامية المتشددة، انسحبت القوات السودانية، أيضاً، إلى مخيم عسكري كبير خارج عدن.

واليوم تعاني المدينة الاستراتيجية من خليط فوضوي من الجماعات المسلحة اليمنية وعلى نحو متزايد من القاعدة والجماعات الإرهابية المتطرفة الأخرى.

وقال بيتر سالزبوري، الخبير في شئون اليمن، والذي زار، مؤخراً، عدن (وهو زميل مشارك في تشاتام هاوس/ هي منظمة بحثية بريطانية)، إن عدن في الوقت الحالي مدينة مقسمة إلى عدد من الأطراف والفصائل المقلقة جداً.

مبيناً، أنه “لا يوجد مركز أو طرف واحد مهيمن على السلطة. والقلق هو أن بعض الفصائل المختلفة في عدن سوف تقاتل بعضها البعض، مما سيخلق فرصة مثالية لتنظيم القاعدة للتوسع”.

ومضيفاً: “ما لم يكن هناك من قوة تسيطر على الأرض وتهيمن، فإن الأمور قد تخرج عن نطاق السيطرة بسرعة كبيرة”.

وينشأ بالضرورة سؤال بسيط وصعب: كيف تمكنت الاتحاد الظبيانية من رؤية “النجاح في القضاء على الإرهاب في اليمن”؟ فيما نعلم لم يسبقهم أحد إلى رؤية وتجسيد “عدم”.

جريمة حرب!

عن النجاحات والانتصارات تتحدث الصحافة الرسمية الإماراتية وتتحدث الصحافة والمجتمع الإنساني العالمي برمته عن ورطة وخسائر الإماراتيين وفشل التحالف السعودي طوال سنة من التدخل العسكري المُدان بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات ضد القانون الإنساني الدولي.

أما انهم نجحوا في إرسال رسالة لإيران عبر تدمير اليمن وقتل اليمنيين طوال عام كامل وهي أقرب إليهم من اليمن وجزرهم الثلاث على مرمى بصرهم في مياه الخليج المتشاطئين فيه مع إيران وليست عدن، فإن هذا الحجة لوحدها جديرة بأن تضاف إلى قائمة “جرائم” الحرب وتقيد باسم معالي الوزير أنور قرقاش وصفته الرسمية طالما أنه يعي ما يقوله!؟



قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.